AMAL

 قطر/ امال اليحياوي

كنت أجلس وأسرح ببالي طويلا حين أتذكر حالنا، أسخر من غدر الزمان الذي سكب علينا من خمر الضياع كؤوسا ذهبت بعقولنا، منا من لم يكتشف لحد الآن حملتني سفينة القدر هاته المرة إلى جولة في الدول الإسكندنافية التي أزورها لأول مرة وأكتشف إلى أي حد لازالت حضاراتها العريقة تبنى يوما بعد يوم في صمت لا أحد يسمع عنه. الدانمارك، النرويج والسويد بلدان عريقة وفاتنة، شوارعها وأزقتها تحدثك عن تاريخ قديم يأبى ألا يفنى، وبالرغم من تقاربها الجغرافي وتاريخها المشترك المعروف بعصر الفايكينك، حافظت كل واحدة منهم على طابعها الخاص وهويتها المنفردة، ما يجمع بينهم هو صفة الصمت والسكون اللذان أبهراني ودفعا بي مرارا وتكرارا أن أقارن بينهم وبين بلداننا العربية التي تعج بالصخب الماحق الذي لا يخلف وراءه غير التناحر والتراشق.

شوارع مكتظة بالناس لكن لا تسمع لها لغوا ولا ضجيجا، لا تستقبل أذنيك وأنت تمشي إلا أصوات الموسيقى التي يطلقها الهواة أو تصفيق المشجعين أو تغريد العصافير حين يداعبها ريح أو تعانقها شمس. أعداد غفيرة تمر من أمامك وأفواج من جميع الأعمار والكل هادئ ورصين لأن دمغة البلد تفرض عليك الهدوء والإنضباط وإلا كنت نشازا منبوذا لن يسمح له بتلطيخ صفو الذهن والأجواء، حتى كلابهم مؤدبة تفاجئك بنظامها والتزامها بألا تكون سبب ازعاج لأحد!

كنت أجلس وأسرح ببالي طويلا حين أتذكر حالنا، أسخر من غدر الزمان الذي سكب علينا من خمر الضياع كؤوسا ذهبت بعقولنا، منا من لم يكتشف لحد الآن أن عقله قد ذهب ومنا من اكتشف أنه ذهب وذهب بحثا عنه ولم يعد. نشغل أنفسنا في ما لا ينفع ولا يجدي ونظن أننا نحسن صنيعا. نمضي أياما نناقش فيها ما لا شأن لنا به تاركين شأننا وأحوالنا ونقول "اللي بغى يربح العام طويل" ألا الطويل هو لساننا حين يتعلق الأمر بعيوب غيرنا التي نفلح في تصحيحها أكثر من تصحيح عيوبنا.

العيب الأكبر أننا أمة تحب أن تأمر وأن تنصح وأن تتجاهر بالصوت لتبتلع من أمامها كي لا يكتشف أنها لا تفعل أبدا ما تأمر وتنصح به، كالطبيب الذي يهيج ويصرخ في وجه مريضه ألا يدخن مهددا إياه أن التدخين قاتل مأجور وهو يضع علبة سجائره وولاعته الباهظة الثمن فوق مكتبه جنب إلى جنب علب الدواء وسماعة القلب! العيب الأكبر أننا أمة تدعي المعرفة التامة بكل شيء في هذا الكون والكل يفتي فيها والكل مطلع فيها على كل شيء لدرجة أن غيرنا يعرف ما في حياتنا أكثر منا، ويسرد قصص ماضينا التي عاشها بدلا منا، ويتكلم عن خطط مستقبلنا التي سرجتها أحلامنا وعرقنا على كتفيه لا على كتفينا، ويذرف الدمع أكثر من أعيننا على حرماننا وعوزنا، والواقع هو أن حرماننا يكبر حين نسمعه من أفواه غيرنا ونزداد قهرا وهما حين تشرب بنا كؤوس الشاي ظلما.

الحقيقة أننا أمة مزيفة غشت نفسها وترد الكيل مكيالين لخلفها الذي أراه قد حمل المشعل الذي لا يضيء، أكبر من فينا لا يعرف لا من أين أتى ولا إلى أين هو مفارق. فلنصمت قليلا، لندع المطر يتكلم، لندع الريح يدق الأجراس، لندع الشجر ينظف قلوبنا، لندع الحيوانات تروي لنا الحقائق، لنصمت كي يصحى الضمير ويأنبنا ولو قليلا علنا نتقاعد من مهن وضيعة تغذينا منها وهي تغذت من قهر أفئدة ظلت تعوي وتعاني في صمت. فهل يا ترى صمتها إسكندنافي؟